بداية لودستون: من ملاذ شخصي إلى عالم من الحِرفة
لم يبدأ لودستون كفكرة تجارية، بل كمساحة شخصية للهدوء والتركيز. في مرحلة كنت بحاجة فيها إلى شيء يعيد لي التوازن وسط انشغالات الحياة، وجدت نفسي منجذبة إلى رسم المندالا. التكرار الهادئ للنقاط والخطوط منحني تركيزاً عميقاً وإحساساً واضحاً بالسكينة. لم يكن الأمر مجرد هواية عابرة، بل تجربة فنية أعادت لي شعور الاندماج والصبر والدقة. ومع اهتمامي بالديكور الداخلي، بدأت أتساءل كيف يمكن أن تنتقل هذه الروح التأملية إلى الأشياء المحيطة بنا. جربت الرسم على أسطح مختلفة، حتى قادني الفضول إلى تجربة العمل على الخرسانة باستخدام قوالب السيليكون. هناك اكتشفت شيئاً مختلفاً؛ مادة تُعرف بصلابتها وقوتها، لكنها في الوقت نفسه قادرة على التحول إلى قطع هادئة وأنيقة تحمل جمالاً بسيطاً وصادقاً. في تلك اللحظة بدأ يتشكل أمامي عالم جديد من الفن والحرفة.

من المندالا إلى الخرسانة: رحلة التحول الفني
في البداية كانت الخرسانة مجرد سطح للرسم، لكن مع التجربة المتكررة بدأت أرى فيها شيئاً أبعد من ذلك. لم تعد مجرد خلفية، بل أصبحت جوهر القطعة نفسها. الملمس، التدرجات، التفاصيل الصغيرة التي تظهر بعد الصب… كل ذلك كان يمنح القطعة شخصية خاصة لا يمكن تكرارها بشكل متطابق.بدأت أجرب قوالب مختلفة وأطور أشكالاً تجمع بين الجمال والوظيفة، بحيث تكون القطعة جزءاً من الاستخدام اليومي بقدر ما هي عنصر جمالي في المكان. تدريجياً تحولت هذه التجارب إلى مسار واضح: صناعة تحف خرسانية تحمل حضوراً بصرياً هادئاً وتندمج مع المساحات بطريقة طبيعية.ومع مرور الوقت، أصبح العمل على الخرسانة هو المسار الرئيسي، بينما بقي الرسم امتداداً للبداية الأولى؛ أنفذه حسب الطلب ويحمل بصمتي الفنية التي بدأت منها الرحلة.
من مهارة إلى رؤية
في تلك الفترة كنت أعمل كموظفة وأتابع دراسة الماجستير. ومع اطلاعي على مجالات الإدارة والأعمال، بدأت تتشكل لدي رغبة واضحة في بناء مساري المهني الخاص؛ مسار أستطيع من خلاله الجمع بين الإبداع والعمل المستقل.ومع تطور مهاراتي في العمل على الخرسانة، ادركت أن هذا المجال ما يزال محدود الحضور في اليمن، رغم الإمكانات الجمالية الكبيرة التي يحملها. هنا لم تعد الفكرة مجرد تجربة فنية، بل تحولت إلى فرصة حقيقية لصناعة هوية مختلفة في عالم التحف والديكور.كانت الفكرة أن تتحول هذه المادة البسيطة، المرتبطة عادة بالبناء، إلى قطع فنية تحمل قيمة جمالية وتفاصيل مصنوعة بعناية.


تأسيس لودستون
في مارس 2022، تأسس لودستون ليكون الإطار الذي أقدم من خلاله هذه الأعمال بشكل واضح واحترافي. لم يعد الأمر مجرد تجربة شخصية، بل مشروع فني يسعى إلى تطوير هذا النوع من الحرف وإعادة تقديم الخرسانة بروح مختلفة.ومع توسع العمل، انضمت مساعدة فنية لتتولى إنتاج التحف بشكل مباشر. وجودها كان خطوة مهمة في الحفاظ على جودة كل قطعة، وضمان تنفيذ التفاصيل بعناية ودقة في كل مرحلة من مراحل العمل. ومعاً أصبح التركيز منصباً على تطوير القطع، والبحث عن توازن دائم بين البساطة والجمال والحرفية.
ماذا يعني لودستون اليوم
اليوم يمثل لودستون أكثر من مجرد مشروع لصناعة التحف الخرسانية. هو مساحة لاكتشاف الجمال الكامن في المادة الخام، ومحاولة مستمرة لتحويل الصلابة إلى حضور بصري هادئ داخل المساحات.
الطموح هو أن يصبح لودستون علامة فنية مرجعية في عالم تحف الكونكريت المعاصر؛ علامة تُعرف بقدرتها على تحويل المادة الصلبة إلى قطع تحمل روحاً وجمالاً دائماً. قطع لا تتبع الاتجاهات العابرة، بل تبقى حاضرة بهدوء وأناقة مع مرور الوقت. وفي كل قطعة تُصنع، يبقى الهدف واحداً: الحفاظ على الأصالة والحِرفية، ومنح كل عمل الوقت والاهتمام الذي يستحقه، ليكون أكثر من مجرد منتج… بل قطعة تحمل قصة وبصمة خاصة.
ريم شاهر

